من خلال المتابعة الميدانية للأحداث الأخيرة في شوارع أوروبا، من باريس إلى بروكسل، تبرز ملاحظة لا يمكن تجاوزها.
الوجوه التي تتصدر مشاهد الفوضى والنهب والتخريب خلال مظاهرات الطلاب والنقابات ليست في غالبيتها من الطلاب أو العمال الأصليين، هم مواطنون أوروبيون على الورق، يحملون الجنسية، لكن أصولهم تعود إلى المغرب والجزائر وباقي الدول العربية والإسلامية والأفريقية، وخلفيتهم الثقافية والدينية إسلامية.
رأينا مواطناً فرنسياً من أصول فرنسية يقف وحده يمنع شباناً سمر البشرة من أصول مغاربية من سرقة متجر خلال احتجاج،ورأينا في مدن أخرى من يرفع صوته بـ الله أكبر ومن يعلوا ظهر الباص ويؤدي بصوت عالي الآذان في وسط مظاهرة مطلبية نقابية لا علاقة لها بالدين، محولاً المطلب الاجتماعي إلى استعراض هوية واستعراض الاعلام للدول العربية وخاصة فلسطين وسوريا وهذا يدل ان هذه المظاهرات والنهب والسرقات من الجاليات المسلمة والعربية .
السؤال الذي يطرح نفسه بصراحة: هل جنت أوروبا على نفسها حين فتحت أبوابها للجوء ومنحت الجنسية بسخاء تحت شعار القانون الإنساني؟
ما يحدث اليوم هو استغلال واضح لحركة احتجاجية أوروبية سلمية، حركة طلابية ونقابية لها مطالب مشروعة، تم اختطافها وتحويلها إلى فوضى ودمار ونهب منظم.
قناعتي التي أتمنى أن أكون مخطئاً فيها، لكن الوقائع المرئية تؤكدها، هي أن الفوضى تظهر حيث يتركز هذا النمط من التفكير، أعمال النهب والسلب والإجرام المنظم التي نراها ليست وليدة اللحظة.
والذين لم يتحركوا بعد، هم في حالة انتظار،ينتظرون اكتمال السيطرة العددية والتنظيمية لجماعتهم، ويتحركون بعدها كجيش مدرب ينتظر الأوامر.
النقطة السوداء تظهر بوضوح على اللوحة البيضاء وتشوهها، حتى لو كانت نسبتها قليلة، وتأثيرها أكبر من حجمها.
المقارنة تفرض نفسها.
الدول التي لم تستقبل أعداداً كبيرة من اللاجئين المسلمين، مثل بولندا، هي اليوم بخير، شوارعها آمنة ومظاهراتها تبقى في إطارها المطلبي دون تحولها إلى نهب وتخريب.
وإذا لم تتحرك المنظومة الأوروبية بجدية لحماية نموذجها، فإنها تخاطر بتحويل هذه البلاد إلى نسخة من الخراب الذي هرب منه هؤلاء أنفسهم،سوريا والعراق وليبيا واليمن ولبنان هي أمثلة حية أمامنا.
هذا ليس كرهاً ولا اتهاماً عاماً، بل قراءة لواقع يراه الجميع. أوروبا مطالبة اليوم بإعادة النظر في سياساتها بعيداً عن شعارات الديمقراطية الشكلية والقانون الإنساني المجرد، من أجل حماية أمنها الاجتماعي قبل فوات الأوان.
بقلم : محمود أوسو

AP Photo


