يصادف غداً الذكرى الثمانين لميلاد الرئيس مسعود البرزاني، في مناسبة لا تختصر في الاحتفال بميلاد رجل، بقدر ما تستعيد مسيرة شخصية ارتبط اسمها بمحطات مفصلية من تاريخ كردستان الحديث.
مسعود البرزاني ليس مجرد رجل بلغ عامه الثمانين؛ إنه البيشمركة الذي عاش عقوداً من تاريخ شعبه، وكان حاضراً في مراحلها الأكثر قسوة وتعقيداً، مدافعاً عن أرض كردستان وحقوق الكرد وكرامتهم. هو ابن الثورة، وابن الجبل الذي احتضن أجيالاً من البيشمركة، وابن مدرسة البارزاني الخالد التي جعلت من الدفاع عن كردستان قضية تتجاوز حدود الأشخاص والأحزاب.
وُلد مسعود البرزاني في قلب الحركة الكردستانية، وترعرع بين البيشمركة وفي بيئة كانت الجبال فيها مدرسةً للحياة والسياسة والمقاومة. كان محاطاً برجال حملوا السلاح دفاعاً عن شعبهم، فعاش منذ طفولته تفاصيل الثورة ومآسيها وانتصاراتها، قبل أن يتحول هو نفسه إلى أحد أبرز وجوهها.
ومنذ شبابه، حمل إرث قضية لم يرها محصورة في حدود حزب أو جغرافيا سياسية ضيقة. وفي خطابه السياسي ظل مفهوم كردستان حاضراً بوصفه إطاراً أوسع من الانقسامات التي فرضتها حدود الدول والصراعات الإقليمية. ولهذا ارتبط اسمه، لدى أنصاره، بفكرة الحفاظ على الهوية الكردستانية ووحدة الذاكرة السياسية للكرد.
لكن مسيرة مسعود البرزاني لم تتوقف عند إرث الثورة.
فأحد أبرز التحولات التي ارتبطت بمرحلة قيادته كان الانتقال من كردستان الثورة إلى كردستان المؤسسات؛ من الجبل والخندق إلى البرلمان والحكومة، ومن ساحات القتال إلى الدبلوماسية والعلاقات الدولية.
في هذه المرحلة، لم تعد كردستان بالنسبة إليه مجرد مساحة جغرافية يدافع عنها البيشمركة، بل أصبحت مشروعاً سياسياً ومؤسساتياً يحتاج إلى بناء الإدارة، وتطوير المؤسسات، وإقامة علاقات مع القوى الإقليمية والدولية، وتحويل القضية الكردية من قضية تُناقش في الجبال إلى قضية حاضرة في عواصم العالم.
ولهذا فإن قراءة مسيرة مسعود البرزاني لا يمكن فصلها عن التحول الأكبر الذي شهدته كردستان العراق خلال العقود الماضية: التحول من حركة ثورية مسلحة إلى كيان سياسي يمتلك مؤسسات وبرلماناً وحكومة وعلاقات دولية واسعة، ويصبح طرفاً في الحسابات الإقليمية والدولية.
وربما تختصر عبارة مسعود البرزاني الشهيرة: «أنا بيشمركة» جانباً كبيراً من شخصيته السياسية.
فالبيشمركة بالنسبة إليه لم تكن مجرد مرحلة من الماضي، ولم تكن رتبة عسكرية تنتهي بانتهاء المعركة. كانت هوية سياسية وذاكرة جماعية وإرثاً من الجبال والدماء والتضحيات. وحين انتقل من الجبهة إلى السياسة، لم يترك البيشمركة خلفه؛ بل حمل معها ذاكرة الثورة إلى مرحلة جديدة من تاريخ كردستان.
من الجبل إلى المؤسسة، ومن البندقية إلى الدبلوماسية، ومن عزلة القضية الكردية إلى حضورها في الحسابات الإقليمية والدولية، امتدت مسيرة رجل عاش أكثر من نصف قرن في قلب التاريخ الكردي الحديث.
ولهذا، فإن بلوغ مسعود البرزاني عامه الثمانين لا يعني فقط مرور ثمانية عقود على ميلاد شخص؛ بل يعني أيضاً استعادة أكثر من نصف قرن من تاريخ كردستان، بما حمله من حروب وثورات وانقسامات وتضحيات، وصولاً إلى مرحلة بناء المؤسسات والانفتاح على العالم.
ثمانون عاماً من العمر، وأكثر من نصف قرن في قلب تاريخ كردستان الحديثة؛ سيرة رجل ارتبط اسمه بالبيشمركة، وبالجبل، وبالثورة، وبمحاولة تحويل إرث المقاومة إلى مشروع سياسي ومؤسساتي.
في عامك الثمانين، كاك مسعود، نستعيد سيرة رجلٍ عاش مراحل حاسمة من تاريخ شعبه؛ من الثورة إلى بناء المؤسسات، ومن الجبل إلى الدبلوماسية، ومن زمن كانت فيه كردستان قضيةً محاصرة إلى زمن أصبحت فيه حاضرةً في حسابات المنطقة والعالم.
ميلاد مبارك، بافي مسرور.
كل عام وأنت بخير، وكل عام وكردستان أكثر حضوراً وحرية وكرامة.
وفي مايلى معايدة الأستاذ وليد آكري، مسؤول كونفدراسيون الجالية الكردستانية في الدنمارك «Revenda Kurdistan»، بمناسبة الذكرى الثمانين لميلاد الرئيس مسعود البرزاني.
المركز الإعلامي لكونفدراسيون الجالية الكردستانية في الدنمارك
Revenda Kurdistan
هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه، ولا يتحمّل الموقع أي مسؤولية أو علاقة بما ورد فيه.



