قرار حاسم من البرلمان الدنماركي يضع حدًا للجدل حول إخفاء هويات أعضاء لجنة الشؤون الخارجية، ويمهّد الطريق أمام نشر تحقيق طال انتظاره بشأن القرارات التي قادت إلى مشاركة الدنمارك العسكرية في أفغانستان.
حُسم أخيرًا أحد أبرز الملفات المثيرة للجدل المرتبطة بالتحقيق المرتقب حول الدور الدنماركي في أفغانستان، بعدما قررت هيئة رئاسة البرلمان الدنماركي بالإجماع عدم السماح لأعضاء لجنة الشؤون الخارجية السابقين بالإدلاء بشهاداتهم أو اقتباس تصريحاتهم في التحقيق بصورة مجهّلة.
وأعلن البرلمان الدنماركي، في بيان صحفي أرسل إلى وكالة الأنباء الدنماركية ريتزاو، أن هيئة الرئاسة وافقت خلال اجتماع عقد الأربعاء على توصية لجنة الشؤون الخارجية، لتسقط بذلك إمكانية الاستشهاد بتصريحات الأعضاء السابقين دون الكشف عن أسمائهم.
وقال رئيس البرلمان الدنماركي، هنريك فراندسن، إن القرار يمثل خطوة مهمة لإنهاء حالة عدم اليقين المحيطة بالتحقيق.
وأضاف:
«أنا سعيد بأن هيئة الرئاسة وافقت على توصية اللجنة، حتى نتمكن من المضي قدمًا في القضية».
وتابع أن القرار من شأنه أن يتيح للباحثين استكمال عملهم، والمساهمة في تعزيز معرفة الرأي العام بالقرارات والتقديرات التي وقفت خلف المشاركة الدنماركية في أفغانستان.
جدل حول السرية.. وضغوط شعبية لإلغاء إخفاء الهوية
وكانت إمكانية الاستشهاد بأقوال أعضاء اللجنة بشكل مجهّل قد أثارت انتقادات واسعة، خصوصًا من جانب المحاربين القدامى.
كما حظي اقتراح شعبي يدعو إلى إلغاء نظام إخفاء الهوية بدعم 50 ألف توقيع، ما زاد الضغوط السياسية لإنهاء هذه المسألة.
وكانت هيئة رئاسة البرلمان قد قررت في مايو الماضي، بناءً على توصية لجنة الشؤون الخارجية، أن يتعين الحصول على موافقة أعضاء اللجنة السابقين قبل نشر تصريحاتهم بأسمائهم.
وبررت السلطات حينها القرار بأن أعضاء اللجنة كانوا يتحدثون خلال اجتماعات سرية على أساس توقع بأن تظل تصريحاتهم محمية بالسرية لمدة 30 عامًا.
لكن الموقف السياسي بدأ يتغير لاحقًا، إذ أعادت عدة أحزاب، من بينها أحزاب مشاركة حاليًا في الحكومة، النظر في موقفها من قضية إخفاء الهوية.
وفي مطلع سبتمبر، قادت الأحزاب الحكومية الأربعة جهودًا داخل لجنة الشؤون الخارجية لتشكيل أغلبية تؤيد التراجع عن القرار السابق والسماح بذكر أسماء أعضاء اللجنة.
وكان رئيس اللجنة، كارستن هونغه من حزب الشعب الاشتراكي، وهو عضو أيضًا في هيئة رئاسة البرلمان، قد وصف آنذاك الاقتراح الشعبي بأنه «مصدر إلهام قوي» وراء الموقف الجديد للحكومة.
تحقيق يرصد قرارات الدنمارك في أفغانستان
ويهدف التحقيق، الذي يجريه باحثون من المعهد الدنماركي للدراسات الدولية (DIIS)، إلى مراجعة القرارات السياسية الدنماركية الرئيسية المرتبطة بالمشاركة العسكرية للبلاد في أفغانستان.
وأُطلق التحقيق بعد فترة وجيزة من انسحاب الدنمارك وعدد من الدول الأخرى من أفغانستان عام 2021، وهو الانسحاب الذي أعقبه عودة حركة طالبان إلى السيطرة على البلاد.
وقد جاء تكليف الباحثين بإجراء التحقيق بدعم من أغلبية واسعة داخل البرلمان الدنماركي.
وبحسب المعهد، فإن الجزء الأكاديمي من العمل البحثي كان شبه مكتمل منذ فبراير 2025، بينما بقيت الإجراءات المتعلقة بالحصول على الوثائق من السلطات الدنماركية ورفع السرية عنها.
رفع السرية يقرّب موعد نشر التحقيق
ورحّب مدير المعهد الدنماركي للدراسات الدولية، بيتر كراجلوند، بقرار إسقاط شرط إخفاء الهوية، معتبرًا أنه سيساعد الباحثين على تقديم صورة أكثر اكتمالًا عن مسار الأحداث والقرارات السياسية التي اتُخذت خلال فترة التدخل العسكري في أفغانستان.
وقال كراجلوند لوكالة ريتزاو إن السماح باستخدام وثائق لجنة الشؤون الخارجية بالطريقة نفسها التي تُستخدم بها الوثائق الأخرى غير المجهّلة يمثل «أفضل حل» من أجل وصف التطورات والقرارات والنقاشات السياسية بأكبر قدر ممكن من الدقة.
وكانت الأحزاب الحكومية قد أعربت في منتصف سبتمبر عن أملها في أن يتم نشر التحقيق قبل نهاية عام 2026، بعدما لم يعد الباحثون مضطرين للحصول على موافقات منفصلة من أعضاء اللجنة الذين يتم الاستشهاد بتصريحاتهم.
أما كراجلوند، فأعرب الآن عن أمله في أن يتمكن فريق البحث من وضع اللمسات الأخيرة على التحقيق وإرساله إلى الطباعة قبل عيد الميلاد عام 2026.
ومع ذلك، فإن نشر النسخة النهائية قد يتأخر إلى العام التالي، نظرًا إلى الوقت الذي ستستغرقه عملية طباعة الدراسة في مجلدات ورقية.
وبذلك، يفتح القرار البرلماني الطريق أمام نشر تحقيق طال انتظاره، قد يلقي ضوءًا جديدًا على القرارات السياسية والحسابات التي شكلت مشاركة الدنمارك العسكرية في أفغانستان، وما سبق الانسحاب الذي أعاد طالبان إلى السلطة عام 2021.


