صدام سياسي في الدنمارك بسبب تقليص معاش التقاعد لكبار السن.. أحزاب تلوّح بـ«الفيتو» وخطة حكومية تثير الغضب

الحكومة تسعى لتوفير 1.5 مليار كرونة عبر تشديد شروط الحصول على معاش كبار السن المنهكين من العمل، مقابل زيادة مخصصات «معاش آرنه».. وأحزاب سياسية ترفض تحميل العمال الأكثر إنهاكًا فاتورة الإصلاحات

في خطوة تنذر بمواجهة سياسية ساخنة في الدنمارك، أثارت خطة الحكومة لتشديد شروط الحصول على معاش التقاعد المخصص لكبار السن الذين أنهكتهم سنوات العمل موجة من الاعتراضات داخل البرلمان، وسط تهديدات باستخدام حق النقض «الفيتو» لمنع تمرير التعديلات.

وتسعى الحكومة إلى توفير نحو 1.5 مليار كرونة دنماركية حتى عام 2030 من خلال تقليص إمكانية الاستفادة من معاش كبار السن، في وقت تعتزم فيه زيادة المخصصات المالية لبرنامج التقاعد المبكر المعروف باسم «معاش آرنه»، ما أثار تساؤلات بشأن تحميل الفئات الأكثر إنهاكًا من العمل كلفة تمويل الإصلاحات الجديدة.

أحزاب المعارضة ترفع سقف المواجهة

أكد حزب «فينستره» (Venstre) عزمه استخدام حق النقض الذي يملكه باعتباره أحد أطراف الاتفاق السياسي المنظم لمعاش كبار السن.

وقالت المتحدثة باسم الشؤون المالية في الحزب، ستيفاني لوسه، بوضوح إن الحزب سيستخدم هذا الحق، منتقدة توجه الحكومة نحو حرمان أشخاص يعانون بالفعل من الإنهاك الجسدي والمهني، وتؤكد التقارير الطبية حالتهم، من الحصول على المعاش وفق المعايير المعمول بها حاليًا.

وأضافت أن الخطة الحكومية تعني عمليًا تشديد الشروط أمام أشخاص لم يعودوا قادرين على مواصلة العمل بسبب ما تعرضوا له من إنهاك خلال سنوات خدمتهم المهنية.

ولم يكن حزب الشعب الدنماركي أقل حدة في موقفه؛ إذ أعلن رفضه الخطة منذ تسرب تفاصيلها مساء الاثنين، مؤكدًا أنه لن يقبل تقليص حقوق العمال المنهكين.

وقال المتحدث باسم الشؤون المالية في الحزب، أندرس فيستيسن، لصحيفة «يولاندس بوستن» إن الحزب لن يوافق على خفض مخصصات هذه الفئة، مشيرًا إلى أن رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن تعهدت خلال الحملة الانتخابية بتوفير تقاعد أكثر كرامة للأشخاص الذين أمضوا أطول سنوات حياتهم في العمل.

«التحالف الليبرالي» والمحافظون يبدون تحفظاتهم

بدوره، أعلن حزب «التحالف الليبرالي» (Liberal Alliance) استعداده لاستخدام حق النقض أيضًا، إذا كانت الأموال التي ستُوفَّر من تقليص معاش كبار السن ستُستخدم لتمويل زيادة تكلفة «معاش آرنه» للأشخاص الذين لا يعانون من الإنهاك المهني.

وقال المتحدث باسم الشؤون المالية في الحزب، أولي بيرك أولسن، لصحيفة «برلينغسكي» إن هذا السيناريو قد يدفع الحزب إلى عرقلة التعديل.

أما حزب المحافظين، وهو طرف آخر في الاتفاق السياسي، فأبدى بدوره شكوكًا بشأن ما تصفه الحكومة بأنه «توجيه أكثر دقة» لمستحقي معاش كبار السن.

وقال المتحدث باسم الشؤون المالية في الحزب، رونه كريستنسن، لوكالة «ريتساو» للأنباء إن حزبه ينظر بتشكك إلى هذه الخطوة، لكنه امتنع عن تأكيد ما إذا كان سيستخدم حق النقض، موضحًا أن الحزب يطمح على المدى الطويل إلى نظام تقاعد أكثر بساطة.

وأضاف أنه لا يريد استبعاد أي خيار قبل الاطلاع على التفاصيل النهائية التي ستعرضها الحكومة.

كيف ستغيّر الحكومة شروط استحقاق المعاش؟

تتمثل أبرز ملامح الخطة الحكومية في تغيير طريقة تقييم القدرة على العمل لدى المتقدمين للحصول على معاش كبار السن.

فبدلًا من تقييم قدرة الشخص على أداء وظيفته الأخيرة، تريد الحكومة اعتماد معيار أكثر تشددًا، يشترط أن تكون قدرة المتقدم على العمل محدودة بما لا يتجاوز 15 ساعة أسبوعيًا في جميع أنواع الوظائف.

ومن شأن هذا التغيير أن يجعل الحصول على المعاش أكثر صعوبة، إذ لن يقتصر التقييم على مدى قدرة الشخص على الاستمرار في مهنته السابقة، بل سيمتد إلى قدرته على أداء وظائف أخرى أيضًا.

وبذلك، قد يواجه بعض الأشخاص الذين لم يعودوا قادرين على مواصلة أعمالهم الحالية بسبب الإنهاك صعوبة أكبر في إثبات استحقاقهم للمعاش، إذا اعتُبرت لديهم قدرة متبقية على العمل في مهن أخرى.

ويبلغ معاش كبار السن للفرد الذي يعيش بمفرده 22,053 كرونة دنماركية شهريًا في عام 2026، وفق الأرقام الواردة في التقرير.

معركة الاتفاق السياسي تعقّد حسابات الحكومة

أُقر نظام معاش كبار السن سياسيًا عام 2019، في عهد حكومة «في إل إيه كيه»، بمشاركة حزب الشعب الدنماركي والحزب الراديكالي. وانضمت لاحقًا إلى الاتفاق أحزاب الديمقراطيين الاجتماعيين والشعب الاشتراكي والمعتدلين.

وبموجب قواعد الاتفاقات السياسية في الدنمارك، يتطلب تعديل الاتفاق القائم خلال الدورة البرلمانية موافقة جميع الأطراف الموقعة عليه، ما يمنح الأحزاب المعترضة قدرة على عرقلة التغييرات المقترحة.

وإذا قررت الحكومة تجاوز الأحزاب اليمينية وإبرام اتفاق جديد يمكن أن يدخل حيز التنفيذ بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة، فستحتاج إلى دعم حزب «القائمة الموحدة» (Enhedslisten).

غير أن هذا الخيار لا يبدو سهلًا أيضًا؛ إذ أعلن الحزب رفضه المساس بالنظام الحالي.

وقالت المتحدثة باسم الشؤون المالية في الحزب، فيكتوريا فيلاسكيز، إن حزبها سيعمل على الحفاظ على معاش كبار السن بصورته الحالية، مؤكدًا أنه لن يقبل بتقليص مزاياه.

زيادة «معاش آرنه» على حساب معاش كبار السن؟

في المقابل، لا تقتصر خطة الحكومة على خفض الإنفاق على معاش كبار السن، بل تتضمن تحسينات في برنامج التقاعد المبكر المعروف باسم «معاش آرنه»، والمخصص لمن تنطبق عليهم شروط الاستفادة منه.

وتعتزم الحكومة رفع المخصصات الشهرية لهذا البرنامج بمقدار 3,095 كرونة دنماركية اعتبارًا من الأول من يناير 2027، إلى جانب توسيع نطاق الاستحقاق ليشمل مزيدًا من الأشخاص المولودين بين عامي 1963 و1965.

وقال وزير المالية بيتر هوملغارد، من حزب الديمقراطيين الاجتماعيين، في تصريحات لقناة «TV 2» يوم الجمعة، عقب عرض مشروع الموازنة، إن الحكومة تعمل على ضبط شروط الاستفادة من معاش كبار السن بهدف إتاحة المجال لتحسين برنامج «معاش آرنه».

لكن الوزير أقر، في الوقت نفسه، بأن التغييرات المقترحة تمثل تراجعًا في مزايا النظام الحالي، رغم تقديمها رسميًا تحت عنوان «توجيه أكثر دقة» للمستحقين.

هل تنجح الحكومة في تمرير خطتها؟

مع تصاعد الاعتراضات وتهديد أكثر من حزب باستخدام حق النقض، تواجه الحكومة اختبارًا سياسيًا صعبًا في مساعيها لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق على أنظمة التقاعد.

وبين هدف توفير المليارات وتحسين مخصصات برنامج التقاعد المبكر، يبقى الخلاف الأساسي حول الفئة التي ستتحمل كلفة هذه التغييرات، وما إذا كان تشديد شروط معاش كبار السن سيحرم بعض العمال الذين أنهكتهم سنوات الخدمة من شبكة الأمان التي يعتمدون عليها.

وفي انتظار اتضاح مصير الخطة، تبدو المواجهة مرشحة للتصاعد، خصوصًا مع تمسك الأحزاب المعترضة بموقفها الرافض للمساس بحقوق العمال المنهكين، وإصرار الحكومة على إعادة توجيه الإنفاق ضمن مشروع الموازنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top