في وقت تتراجع فيه مهارات القراءة لدى الطلاب الدنماركيين إلى مستويات غير مسبوقة، اختارت رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن العودة إلى الكتاب الورقي، داعيةً إلى استعادة شغف القراءة، ومحذّرة من أن الابتعاد عن الكتب لا يعني فقدان المعرفة فحسب، بل يهدد أيضًا الروابط التي تجمع أفراد المجتمع.
أطلقت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن مبادرة ثقافية عبر حسابها على منصة «إنستغرام»، تهدف إلى تشجيع المواطنين على القراءة وتعزيز تبادل التوصيات الأدبية، من خلال ما يشبه ناديًا للكتاب يتشارك فيه المشاركون تجاربهم القرائية ويلهم بعضهم بعضًا لاكتشاف المزيد من المؤلفات.
وقالت فريدريكسن في منشور لها إن عدد الأشخاص الذين يقرؤون «كتابًا جيدًا من الطراز القديم» بات أقل مما ينبغي، معتبرةً أن هذا التراجع يمثل «خسارة للمعرفة والترابط المجتمعي».
نجوم الفن والأدب يشاركون في مبادرة القراءة
ولتعزيز المبادرة وتوسيع نطاق تأثيرها، استعانت رئيسة الوزراء بعدد من الشخصيات البارزة في عالم الفن والأدب والإعلام، من بينهم الممثلان نيكولاي كوستر-فالداو وإلين هيلينغسو، والكاتبة سارة بلوديل، ومقدمة البرامج التلفزيونية ريكي غورانسون.
ويشارك هؤلاء في ما يشبه سباق تتابع للكتب، إذ ينشر كل مشارك توصياته الأدبية عبر «إنستغرام»، قبل أن يمرر الدور إلى شخص آخر، في محاولة لتحفيز مزيد من الأشخاص على القراءة واكتشاف عوالم أدبية جديدة.
رواية أمريكية شهيرة تتصدر اختيارات رئيسة الوزراء
واختارت فريدريكسن رواية «لا تقتل طائرًا بريئًا» (To Kill a Mockingbird) للكاتبة الأمريكية هاربر لي، الصادرة عام 1960، لتكون ضمن توصياتها القرائية.
ولم تقتصر رسالتها على الدعوة إلى قراءة الكتب، بل استحضرت أيضًا ذكرياتها مع أمناء المكتبات خلال طفولتها، مشيرةً إلى الدور الذي لعبوه في اكتشافها متعة القراءة وفتح آفاق جديدة أمامها.
وكتبت رئيسة الوزراء أن أمناء المكتبات جعلوا المكتبة «ملاذًا آمنًا»، مضيفةً أن اهتمامها الشخصي بالسياسة بدأ يتشكل، جزئيًا، داخل هذا الفضاء الثقافي، من خلال الكتب والعوالم التي أتاحت لها استكشافها.
نتائج مقلقة تكشف تراجع مهارات القراءة لدى الطلاب
وتأتي هذه المبادرة في وقت تواجه فيه الدنمارك تحديات متزايدة بشأن مستوى القراءة لدى الأطفال والشباب، إذ أشارت فريدريكسن في منشورها إلى نتائج دراسة «بيزا» الدولية، التي كشفت عن تراجع مقلق في أداء الطلاب الدنماركيين.
وتُستخدم دراسة «بيزا» لتقييم مهارات الطلاب البالغين 15 عامًا في القراءة والرياضيات والعلوم، وقد أظهرت النتائج المشار إليها في التقرير أن أداء الطلاب الدنماركيين وصل إلى مستويات سيئة تاريخيًا.
وأعادت هذه النتائج فتح النقاش حول أسباب تراجع التحصيل الدراسي، ومسؤولية المؤسسات التعليمية والسياسيين عن معالجة المشكلة، خصوصًا في ظل المخاوف من انعكاسات ضعف القراءة على مستقبل الأجيال الجديدة وقدرتها على التعلم واكتساب المعرفة.
فريدريكسن تعترف بالمسؤولية السياسية
وعقب صدور نتائج الدراسة، عقدت فريدريكسن وعدد من كبار المسؤولين في الحكومة مؤتمرًا صحفيًا، طُرحت خلاله أسئلة بشأن مسؤولية رئيسة الوزراء عن تراجع أداء الطلاب.
ويأتي ذلك في ظل الدور الذي لعبه حزبها، الحزب الاشتراكي الديمقراطي، في قيادة الحكومة الدنماركية خلال 11 عامًا من الأعوام الخمسة عشر السابقة للفترة التي يتناولها التقرير، فضلًا عن توليه حقيبة التعليم منذ عام 2019.
ولم تتنصل فريدريكسن من المسؤولية، بل أقرت بأن السياسيين الذين تولوا مسؤوليات عامة يتحملون جزءًا منها، سواء على المستوى الوطني أو المحلي.
وقالت خلال المؤتمر الصحفي: «أعتقد بالتأكيد أنني، وأننا، نتحمل جزءًا من المسؤولية عن هذا الأمر. فجميع من تحملوا مسؤولية سياسية، سواء في البرلمان أو على المستوى المحلي أو داخل الحكومة، يتحملون نصيبًا من المسؤولية، ولن أتهرب منها في أي وقت».
وأضافت أن المسؤولين الحاليين قادرون أيضًا على المساهمة في تغيير بعض المشكلات الأساسية التي تقف وراء هذا التراجع.
هل تعيد الكتب إحياء شغف القراءة؟
وبين الاعتراف بالتحديات التعليمية والدعوة إلى العودة للقراءة، تراهن رئيسة الوزراء الدنماركية على أن مشاركة الكتب والتجارب الشخصية قد تكون خطوة نحو استعادة اهتمام الأطفال والشباب بالقراءة، وتعزيز مكانة الكتاب في الحياة اليومية.
فبالنسبة إلى فريدريكسن، لا تبدو القراءة مجرد وسيلة لاكتساب المعلومات، بل تجربة تفتح آفاق التفكير، وتمنح الأفراد فرصًا لفهم العالم والتواصل مع الآخرين.
ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه الدعوات الثقافية إلى اهتمام مستدام بالقراءة، في وقت تسعى فيه الدنمارك إلى معالجة التراجع في مهارات طلابها وإعادة بناء علاقتهم بالكتاب والمعرفة.


