اكتظاظ تاريخي في السجون الدنماركية.. كوبنهاغن تبحث عن أماكن لاحتجاز السجناء في أكثر من 25 دولة أوروبية!

في ظل تجاوز عدد السجناء الطاقة الاستيعابية للمؤسسات العقابية، تتجه الدنمارك إلى البحث عن حلول خارج حدودها، عبر استئجار أماكن إضافية في سجون دول أوروبية، في خطوة تعكس حجم الأزمة المتفاقمة داخل منظومتها السجنية.

تواجه الدنمارك أزمة متصاعدة بسبب الاكتظاظ غير المسبوق في سجونها، بعدما تجاوز عدد النزلاء الطاقة الاستيعابية المتاحة، ما دفع الحكومة إلى توسيع تحركاتها الدولية بحثًا عن أماكن إضافية لاحتجاز السجناء، عبر التواصل مع أكثر من 25 دولة أوروبية لاستكشاف إمكانية استئجار طاقة استيعابية في مؤسساتها العقابية.

ووفقًا لما كشفته وكالة الأنباء الدنماركية «ريتساو» (Ritzau)، استنادًا إلى وثائق حصلت عليها بموجب قانون الاطلاع على المعلومات، فإن وزارة العدل الدنماركية أجرت اتصالات مع أكثر من 25 دولة أوروبية، بهدف تقييم مدى توافر أماكن شاغرة في أنظمة السجون لديها.

وزير العدل: الوضع خطير ولا بد من حلول إضافية

وأكد وزير العدل الدنماركي نيكولاي فامن، في رد مكتوب، أن بلاده تبحث بالفعل عن إمكانية استئجار مزيد من الأماكن في السجون الأجنبية، مشددًا على خطورة الوضع الذي تواجهه المؤسسات العقابية الدنماركية.

وقال الوزير إن بلاده مطالبة ببذل كل ما في وسعها لمعالجة أزمة الطاقة الاستيعابية في السجون، موضحًا أن الاتفاق القائم مع كوسوفو، والذي ينص على استئجار 300 مكان في السجون هناك، لن يكون كافيًا وحده لمعالجة المشكلة.

وأضاف أن الحكومة تحتاج إلى دراسة تدابير إضافية من شأنها توفير أماكن جديدة وتخفيف الضغط عن منظومة السجون، بما في ذلك بحث إمكانية استئجار أماكن احتجاز في دول أخرى.

وأشار فامن إلى أن وزارة العدل تواصلت، على هذا الأساس، مع عدد من الدول لاستكشاف الطاقة الاستيعابية المتاحة لديها.

اتفاق كوسوفو يتعثر.. والتشغيل مؤجل حتى 2027 أو 2028

وكانت الدنمارك قد قررت، في عام 2021، استئجار 300 مكان في أحد سجون كوسوفو، مخصصة للأجانب المدانين الذين صدرت بحقهم أحكام بالطرد من الأراضي الدنماركية.

وفي ذلك الوقت، كانت التوقعات تشير إلى إمكانية بدء تنفيذ العقوبات داخل السجن مطلع عام 2023، غير أن سلسلة من التأجيلات المتتالية حالت دون الالتزام بالجدول الزمني المعلن.

وبحسب أحدث التقديرات، لن يصبح السجن جاهزًا للاستخدام قبل أواخر عام 2027 أو مطلع عام 2028، ما يسلط الضوء على التحديات التي تواجه تنفيذ الاتفاق، ويزيد الحاجة إلى البحث عن بدائل عاجلة.

ورغم هذه التأخيرات، لا يزال وزير العدل يعتبر الاتفاق مع كوسوفو «اتفاقًا مهمًا للدنمارك»، لكنه يسعى في الوقت نفسه إلى إيجاد دولة أخرى للدخول في شراكة مماثلة.

لماذا لا تتجه الدنمارك إلى دولة داخل الاتحاد الأوروبي؟

أعادت الأزمة فتح النقاش بشأن الوجهة الأنسب لاستئجار أماكن في السجون الأجنبية، إذ أشار عدد من الأحزاب التي دعمت الاتفاق الأصلي مع كوسوفو مؤخرًا إلى أن التوصل إلى اتفاق مع دولة عضو في الاتحاد الأوروبي ربما كان خيارًا أفضل.

وفي هذا السياق، برزت التجربة السويدية بوصفها نموذجًا قريبًا؛ ففي أغسطس 2025، وقّعت السويد اتفاقًا لاستئجار أماكن في سجون إستونيا، وبعد نحو عام، استقبلت إستونيا أول دفعة من السجناء السويديين بموجب الاتفاق.

وسعت وكالة «ريتساو» إلى معرفة ما إذا كانت الدنمارك قد تواصلت مع السلطات الإستونية لاستئجار أماكن في سجونها، إلا أن وزارة العدل الإستونية أوضحت أن تركيزها ينصب حاليًا على تنفيذ الاتفاق المبرم مع السويد، مؤكدة عدم وجود مباحثات مع دول أخرى بهذا الشأن.

4650 سجينًا مقابل 4300 مكان.. أرقام تكشف حجم الأزمة

تكشف أحدث الأرقام حجم الضغط الذي تعاني منه السجون الدنماركية؛ فبحسب إحصاء نشرته نقابة موظفي السجون في أواخر سبتمبر، بلغ عدد السجناء 4650 نزيلًا، مقابل طاقة استيعابية لا تتجاوز 4300 مكان.

وبذلك وصل متوسط الإشغال إلى 105.4%، وهو أعلى مستوى يسجَّل على الإطلاق وفقًا للنقابة، مقارنة بنحو 102.7% خلال العام الماضي.

وتعني هذه الأرقام أن عدد السجناء يتجاوز الطاقة الاستيعابية الرسمية بنحو 350 نزيلًا، الأمر الذي يضع المؤسسات العقابية أمام ضغوط متزايدة، ويدفع السلطات إلى البحث عن حلول تتجاوز التوسع التقليدي داخل البلاد.

سرية الاتصالات تثير التساؤلات

وفي موازاة التحركات الدبلوماسية، حاولت وكالة «ريتساو» الحصول على تفاصيل المراسلات المتبادلة بين وزارة العدل الدنماركية والدول الأوروبية التي جرى التواصل معها، إلا أن الوزارة رفضت الكشف عنها.

وبررت الوزارة قرارها بأن نشر أسماء الدول ومضمون الاتصالات قد يعرّض المصالح الدبلوماسية والسياسة الخارجية للدنمارك للضرر.

وبين اكتظاظ قياسي، وتأخر تنفيذ اتفاق كوسوفو، وصعوبة العثور على حلول سريعة، تجد الحكومة الدنماركية نفسها أمام تحدٍ متزايد يتمثل في توفير أماكن كافية للسجناء، وسط تساؤلات بشأن الدول التي قد تستضيفهم مستقبلًا، ومدى قدرة خيار استئجار السجون في الخارج على تخفيف الأزمة بصورة مستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top