تشريع جديد يلوح في الأفق لتجريم شراء المقاعد البرلمانية، وسط انقسام سياسي حاد بشأن واقعة عرض فيها لارس لوكه راسموسن 370 ألف كرونة على النائب السابق مايك فونسيكا مقابل التخلي عن مقعده في البرلمان الدنماركي. وبينما يرى معارضو العرض أن القانون المرتقب يجب أن يمنع تكرار مثل هذه الوقائع، يتمسك حزب Moderaterne بموقفه، معتبراً أن بعض أشكال الدعم المالي للنواب قد تكون مشروعة في ظروف محددة.
أعلن حزب Moderaterne دعمه لمشروع قانون يهدف إلى جعل محاولة شراء المقاعد البرلمانية في الدنمارك أمراً غير قانوني، في خطوة تأتي وسط تصاعد الجدل السياسي حول الحدود الفاصلة بين المساعدات المالية المشروعة ومحاولات التأثير على قرارات النواب المنتخبين.
وقال مورتن إي. جي. براوتش، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب Moderaterne، في تصريحات لصحيفة Ekstra Bladet، الأربعاء، إن الحزب لا يعارض حظر شراء المقاعد البرلمانية، لكنه يرى ضرورة التمييز بين شراء المقعد وبين الحالات التي قد يكون فيها من المقبول أن يغادر النائب البرلمان لتولي وظيفة في القطاع الخاص أو لشغل منصب سفير.
وجاء موقف الحزب عقب اجتماع لجنة النظام الداخلي في البرلمان الدنماركي، المعروفة باسم Udvalget for Forretningsordenen (UFO)، وفي وقت تتزايد فيه المؤشرات على تشكّل أغلبية سياسية مؤيدة لمشروع القانون.
عرض الـ370 ألف كرونة.. القضية التي أشعلت الجدل
يرتبط مشروع القانون مباشرة بواقعة أثارت عاصفة من الانتقادات السياسية في عام 2023، عندما عرض لارس لوكه راسموسن، رئيس حزب Moderaterne، مبلغ 370 ألف كرونة دنماركية على النائب آنذاك مايك فونسيكا، مقابل مغادرة البرلمان والتخلي عن مقعده النيابي.
وجاء العرض بعدما أبلغ فونسيكا حزبه بأنه دخل في علاقة عاطفية مع فتاة تبلغ من العمر 15 عاماً. ووفقاً لما أراده الحزب، كان من المفترض أن يتخلى فونسيكا عن مقعده لصالح النائب البديل التابع للحزب، مقابل حصوله على المبلغ المالي.
لكن فونسيكا رفض مغادرة البرلمان، واختار مواصلة عمله نائباً مستقلاً، الأمر الذي أدى إلى فصله من الحزب.
وزادت القضية تعقيداً بعدما سجّل فونسيكا حديث لارس لوكه راسموسن، قبل أن تنشر منصة Frihedsbrevet تفاصيل الواقعة مدعومة بتسجيل صوتي، ما أثار انتقادات واسعة داخل البرلمان الدنماركي.
ومن جانبه، نفى راسموسن مراراً أن يكون قد حاول رشوة فونسيكا للتخلي عن مقعده، غير أن الطريقة التي جرى بها تقديم العرض قوبلت بانتقادات حادة من أحزاب سياسية عدة.
Moderaterne: عرض لارس لوكه لا يندرج ضمن التجريم
في تطور لافت، قال مورتن إي. جي. براوتش إن حزبه لا يعتقد أن عرض الأموال الذي قدمه لارس لوكه راسموسن إلى مايك فونسيكا سيُعد جريمة بموجب التشريع المرتقب، استناداً إلى الصياغة الحالية لمشروع القانون.
وأضاف، في تصريحاته لصحيفة Ekstra Bladet، أنه لا يرى أن ما حدث في قضية فونسيكا يندرج ضمن الأفعال التي سيجرّمها النص المقترح.
وبحسب الصحيفة، سيسمح مشروع القانون، ضمن حالات محددة، للحزب بتقديم دعم مالي إلى أحد نوابه إذا قرر التخلي عن مقعده بسبب المرض أو ظروف مماثلة.
وتشير الملاحظات التفسيرية لمشروع القانون إلى إمكانية مساعدة أحد أعضاء البرلمان في تغطية تكاليف العلاج أو إعادة التأهيل.
لكن النص يضع قيداً أساسياً على هذا النوع من الدعم، إذ ينص على عدم جواز تقديم مساعدات مالية بهدف التأثير على النائب ودفعه إلى التخلي عن مقعده البرلماني أو طلب إجازة من مهامه.
وهنا تبرز نقطة الخلاف الرئيسية: هل يمكن اعتبار عرض الأموال مساعدة مشروعة في ظروف معينة، أم أن ربطه بالتخلي عن المقعد النيابي يجعله محاولة لشراء المنصب؟
Enhedslisten يرفض تفسير Moderaterne
في المقابل، رفض بيدر هفيلبلوند، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب Enhedslisten وعضو لجنة النظام الداخلي، تفسير حزب Moderaterne، مؤكداً أن الهدف من التشريع هو تجريم شراء المقاعد البرلمانية، بما يشمل، في رأيه، ما حدث في قضية فونسيكا.
وقال هفيلبلوند، في تعليق مكتوب لوكالة الأنباء الدنماركية Ritzau، إن البرلمان طلب إعداد مشروع قانون يجعل شراء المقاعد أمراً غير قانوني، وإن المسودة التي أُعدّت جاءت لتحقيق هذا الهدف.
وأضاف أن فهمه للتشريع المقترح هو أنه سيجعل التصرف الذي وقع في قضية فونسيكا غير قانوني.
ولم يستبعد هفيلبلوند إدخال تعديلات على المشروع إذا ظهرت شكوك بشأن إمكانية الإفلات من التجريم في حالات مشابهة، مشيراً إلى إمكانية تعديل الصياغة بحيث يشمل القانون هذه الوقائع أيضاً.
Dansk Folkeparti: منع تكرار القضية هدف أساسي
من جهته، تبنى مورتن ميسرشميت، رئيس حزب Dansk Folkeparti وعضو لجنة النظام الداخلي، موقفاً مماثلاً لموقف Enhedslisten.
ورداً على سؤال بشأن ما إذا كان عرض لارس لوكه راسموسن دفع الأموال إلى مايك فونسيكا مقابل مغادرة البرلمان سيظل قانونياً في حال إقرار التشريع الجديد، أجاب ميسرشميت بالنفي.
وأكد، في تصريح مكتوب لوكالة Ritzau، أن الهدف الواضح من القانون هو منع تكرار قضايا مماثلة لقضية مايك فونسيكا مستقبلاً.
ويعكس هذا الموقف اتساع الخلاف السياسي حول كيفية صياغة القانون، والحدود التي ينبغي أن يضعها أمام الأحزاب في تعاملها المالي مع النواب.
فونسيكا يرد: لم تكن مساعدة.. بل صفقة مشروطة
أما مايك فونسيكا، الذي كان محور الواقعة، فرفض بدوره وصف العرض المالي بأنه محاولة لمساعدته، وذلك في تصريحات نقلتها إذاعة Radio IIII.
وقال فونسيكا إن الحزب يحاول تقديم العرض في صورة مساعدة لإظهاره بشكل مقبول، معتبراً أن هذا الوصف لا يعكس حقيقة ما حدث.
وأضاف، في رسالة نصية إلى الإذاعة، أن العرض شمل ما يعادل رواتب ستة أشهر ومساعدات متنوعة، لكنه كان مرتبطاً بشرط واضح، وهو تخليه عن مقعده البرلماني.
وتسلط تصريحاته الضوء مجدداً على جوهر القضية التي أثارت جدلاً واسعاً في الدنمارك: هل كان العرض دعماً مالياً في ظروف استثنائية، أم مقابلاً مالياً للتنازل عن تفويض انتخابي حصل عليه النائب من الناخبين؟
معركة قانونية وسياسية لم تُحسم بعد
مع اقتراب مشروع القانون من الحصول على دعم سياسي كافٍ، تتجه الأنظار إلى الصياغة النهائية للتشريع، وما إذا كان سيضع حداً واضحاً أمام أي محاولة لشراء المقاعد البرلمانية أو التأثير المالي على قرارات النواب.
وبين موقف حزب Moderaterne الذي يرى أن بعض الحالات قد تستدعي استثناءات مشروعة، وموقف حزبي Enhedslisten وDansk Folkeparti اللذين يشددان على ضرورة منع تكرار واقعة فونسيكا، يبقى السؤال الأهم: هل سيغلق القانون المرتقب الثغرات التي قد تسمح بتقديم الأموال مقابل التخلي عن المقاعد النيابية، أم أن الخلافات حول تفسيره ستفتح الباب أمام جدل سياسي جديد؟

foto: Sebastian Elias

