زعيم «التحالف الليبرالي» يرفض منح الجنسية الدنماركية لمن يؤيدون إقامة مجتمع تُفرض فيه عقوبة الإعدام على المثليين، فيما تدافع آنا بييريه يوهانسن عن حرية الفكر والمعتقد وترفض إخضاع طالبي الجنسية لاختبارات تتعلق بقناعاتهم الشخصية.
في سجال سياسي جديد يضع قيم الديمقراطية الليبرالية وحقوق الأقليات في مواجهة حرية الفكر والمعتقد، فجّر زعيم حزب التحالف الليبرالي الدنماركي، أليكس فانوپسلاغ، جدلًا واسعًا بتصريحاته الرافضة لمنح الجنسية الدنماركية لأي شخص يؤيد إقامة مجتمع تُعاقب فيه المثلية الجنسية بالإعدام.
وجاء موقف فانوپسلاغ ردًا على تصريحات آنا بييريه يوهانسن، ممثلة حزب «البديل» (Alternativet)، التي دافعت عن مبدأ عدم استبعاد طالبي الجنسية بسبب آرائهم ومعتقداتهم، حتى عندما تكون هذه الآراء متطرفة أو مناقضة للقيم الليبرالية.
فانوپسلاغ: لا مكان في المواطنة لمن يريد إعدام المثليين
وفي منشور عبر منصة «إكس»، يوم الاثنين، قال فانوپسلاغ إن أي شخص يتبنى تصورًا مثاليًا للمجتمع تُفرض فيه عقوبة الإعدام على المثليين، لا يستحق أن يصبح مواطنًا في الدنمارك.
وكتب: «لا أحد، إذا كان المجتمع المثالي الذي ينشده يفرض عقوبة الإعدام على المثلية الجنسية، يستحق أن يصبح مواطنًا في الدنمارك».
ويرى زعيم التحالف الليبرالي أن منح الجنسية لأشخاص يريدون إقامة مجتمع يحرم يوهانسن، التي تعرّف نفسها بأنها من مجتمع الميم (Queer)، من حقها في الحب والعيش بحرية، لا يضمن لها الأمن أو الحرية، بل قد يعرّضهما للخطر.
وأضاف أنه يعتقد أن هذه القضية مؤلمة بالنسبة إلى يوهانسن، لأنها تجد نفسها عالقة، بحسب وصفه، بين حماية أمنها الشخصي والتمسك بمبدأ عدم إقصاء الآخرين بسبب معتقداتهم.
«التسامح المفرط قد يقوّض الديمقراطية»
وفي تصريحات إضافية لقناة «TV 2» الدنماركية، شدد فانوپسلاغ على أن التمسك بالمبادئ لا يعني الامتناع عن مراجعتها، حتى عندما يكون ذلك صعبًا.
وقال إن المرء يجب أن يدافع عن مبادئه، لكنه مطالب أيضًا بإعادة النظر بصورة مستمرة في مدى صحتها.
وعن موقف يوهانسن الرافض لاستبعاد الأشخاص بسبب أفكارهم، اعتبر أن تطبيق هذا المبدأ قد يؤدي، في نهاية المطاف، إلى منح الجنسية لأشخاص يريدون القضاء عليها، وهو ما يراه دليلًا على وجود خلل في المبدأ نفسه.
وأضاف أن «التسامح المفرط، المدفوع بالرغبة في الظهور بمظهر المتسامح والمتوافق مع المعايير السياسية السائدة، قد ينتهي إلى تقويض الديمقراطية الليبرالية والتسامح في المجتمع عمومًا».
وفي الوقت نفسه، أكد فانوپسلاغ تمسكه بحرية التعبير على نطاق واسع، موضحًا أن الإسلاميين، بمن فيهم أصحاب المواقف المناهضة للديمقراطية، يجب أن يتمتعوا بحرية التعبير عن آرائهم.
لكنه فرّق بين الحق في التعبير عن الأفكار وبين استحقاق الحصول على الجنسية، معتبرًا أن الجنسية ينبغي أن تُمنح لمن يرغبون فعلًا في أن يكونوا مواطنين فاعلين في النظام الديمقراطي، لا خصومًا له.
وقال إن من يحتقر الدنمارك وديمقراطيتها الليبرالية، ومن يدعو إلى إعدام المثليين، لا ينبغي أن يُكافأ بمنحه الجنسية الدنماركية.
الجنسية الدنماركية.. حق أم امتياز؟
وفي سياق دفاعه عن موقفه، أكد فانوپسلاغ أن الجنسية الدنماركية ليست حقًا تلقائيًا، بل امتياز يقرر البرلمان الدنماركي، بصورة مستقلة، من يستحق الحصول عليه.
وأشار إلى أن الجنسية لا تقتصر على منح حاملها حق الإقامة في البلاد، بل تتيح له أيضًا التصويت والمشاركة في تحديد مستقبل الدولة.
وأضاف أن الجنسية ينبغي أن تُمنح بعد نجاح عملية الاندماج في المجتمع، لا باعتبارها وسيلة لتحقيق هذا الاندماج.
ويعكس هذا الموقف خلافًا أوسع داخل الساحة السياسية الدنماركية بشأن الشروط التي ينبغي أن تحكم التجنيس، وحدود التسامح مع المعتقدات المتطرفة، ومدى جواز ربط المواطنة بالقناعات الفكرية والدينية للمتقدمين للحصول عليها.
يوهانسن ترد: لا نحارب الكراهية بكراهية أقلية أخرى
في المقابل، أقرت آنا بييريه يوهانسن، في تصريحات لقناة «TV 2»، بأن وصول مزيد من الأشخاص الذين يتبنون مواقف مشابهة لمواقف المناظر الإسلامي أبود مصطفى إلى الدنمارك قد يشكل مشكلة.
لكنها رفضت اعتبار دفاعها عن منح الجنسية للأشخاص ذوي الآراء المتطرفة تناقضًا في موقفها، مؤكدة أنها ترفض بشدة التصريحات المعادية للمثليين التي أدلى بها مصطفى، والتي اعتذر عنها لاحقًا.
وقالت إنها تؤمن بحرية الفكر والمعتقد، ولا ترى أن إخضاع طالبي الجنسية لاختبارات تهدف إلى فحص توجهاتهم الفكرية أو معتقداتهم يمثل حلًا مناسبًا.
وأضافت أن مثل هذا النظام سيكون إشكاليًا وغير واضح المعايير، ولا يتناسب مع طبيعة الديمقراطية الدنماركية.
وكانت يوهانسن قد أوضحت، خلال مشاركتها في بودكاست «Borgerlig Tabloid» التابع لصحيفة «B.T.»، أنها لا تستبعد منح الجنسية لأشخاص يحملون المعتقدات نفسها، معتبرة أن المشكلات المحتملة ينبغي التعامل معها عند ظهورها.
كيف تقترح مواجهة رهاب المثلية؟
بدلًا من استبعاد طالبي الجنسية بناءً على أفكارهم، دعت يوهانسن إلى مواجهة رهاب المثلية عبر وسائل ترى أنها أكثر فاعلية، من بينها التثقيف الجنسي، وتوفير الدعم للشباب من مجتمع الميم، ونشر الوعي، وتعزيز المبادرات الاجتماعية.
كما شددت على ضرورة تقييم المتقدمين للحصول على الجنسية استنادًا إلى أفعالهم، لا إلى آرائهم وحدها، مع معالجة التحديات المحتملة من خلال برامج الاندماج المجتمعي.
وقالت إنها عاشت طوال حياتها مع رهاب المثلية والتعصب، وتكافح يوميًا لمواجهة هذه الكراهية، مضيفة: «على عكس قطاعات واسعة من اليمين، لا أعتقد أننا نستطيع مكافحة الكراهية الموجهة إلى أقلية من خلال كراهية أقلية أخرى».
كيف بدأت الأزمة؟
تعود جذور السجال إلى برنامج «Højskolen» الذي عرضته قناة «TV 2»، والتقت خلاله يوهانسن بالمناظر المسلم أبود مصطفى في نقاش حول الهوية الدنماركية ومعنى الانتماء إلى المجتمع.
وعقب البرنامج، تحدث مصطفى في بودكاست «Borgerlig Tabloid» عن تصوره للمجتمع الإسلامي المثالي، مشيرًا إلى أن المثلية الجنسية تُعاقب بالإعدام في مثل هذا المجتمع.
وأثارت هذه التصريحات تساؤلات بشأن موقف يوهانسن من منح الجنسية لأشخاص يتبنون أفكارًا من هذا النوع، خصوصًا بعد سؤالها عما إذا كانت ستصوّت لصالح منح الجنسية لشخص يرى أنها تستحق القتل بسبب هويتها الجنسية.
وفي أعقاب الجدل، نشر مصطفى توضيحًا عبر «فيسبوك»، نفى فيه أنه يرغب شخصيًا في قتل المثليين، واصفًا تصريحاته السابقة بأنها صيغت بطريقة غير دقيقة.
معركة تتجاوز الجنسية إلى مستقبل الديمقراطية
لا يقتصر هذا السجال على خلاف بين سياسيين حول شروط الحصول على الجنسية الدنماركية، بل يسلط الضوء على معضلة تواجه الديمقراطيات الليبرالية: كيف يمكن حماية حرية الفكر والمعتقد وحرية التعبير، من دون التساهل مع أفكار تدعو إلى سلب الآخرين حقوقهم الأساسية أو تهدد حياتهم؟
وبينما يرى فانوپسلاغ أن التسامح مع أصحاب المواقف المتطرفة قد يتحول إلى خطر على المجتمع الديمقراطي نفسه، تتمسك يوهانسن بمبدأ الفصل بين المعتقدات الشخصية والأفعال، محذرة من أن مراقبة الأفكار قد تفتح الباب أمام نظام غير شفاف للتمييز والإقصاء.
ويبقى السؤال الذي يثيره هذا الجدل في الدنمارك: هل ينبغي أن تُبنى المواطنة على الالتزام بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، أم أن حرية الاعتقاد تقتضي عدم استبعاد الأشخاص بسبب أفكارهم، مهما كانت متطرفة؟


