بسبب قانون الأسمدة الزراعية.. بريبيان بانغ هنريكسن يغادر الحزب بعد سنوات من الولاء، متمسكًا بقناعاته السياسية ورافضًا التخلي عن استقلالية قراره
في تطور سياسي لافت يكشف تصاعد الخلافات داخل حزب «فينستره» الدنماركي، تلقّى الحزب ضربة جديدة بعد استبعاد النائب البارز بريبيان بانغ هنريكسن من كتلته البرلمانية، وبالتالي من عضوية الحزب، على خلفية رفضه التعهد بالالتزام بخط الحزب في التصويتات البرلمانية.
وأعلن هنريكسن، بعد اجتماع لكتلة الحزب في مقر البرلمان الدنماركي «كريستيانسبورغ»، بعد ظهر الثلاثاء، أنه سيواصل عمله نائبًا مستقلًا، رغم رغبته في البقاء داخل الحزب الذي ينتمي إليه منذ سنوات طويلة.
وقال النائب إن التصويت خلال الاجتماع انتهى إلى قرار استبعاده، مضيفًا أنه يشعر بالأسف لمغادرة حزب ظل جزءًا من مسيرته السياسية، مؤكدًا أنه لم يصوّت ضد توجهات الحزب قبل الخلاف الأخير المتعلق بقانون الأسمدة الزراعية.
قانون الأسمدة يشعل الأزمة.. والانضباط الحزبي كلمة السر
تعود جذور الأزمة إلى سبتمبر الماضي، عندما صوّت خمسة نواب ضد قانون الأسمدة الزراعية، خشية أن يفرض أعباءً غير مبررة على القطاع الزراعي. ويُعد هذا التخوف من القضايا الحساسة داخل الحزب، الذي ارتبط تاريخيًا بمصالح المزارعين، قبل أن يتجه خلال السنوات الأخيرة نحو تبني سياسات أكثر اهتمامًا بالبيئة والاستدامة.
وعلى وقع هذه الخلافات، حصل رئيس الحزب، ترولس لوند بولسن، الأحد، على دعم الهيئة القيادية العليا للحزب خلال اجتماع استثنائي، لتشديد الانضباط الداخلي وفرض الالتزام بالتوجهات المعتمدة في التصويتات البرلمانية، مع احتمال استبعاد من يرفض التعهد بذلك.
ووصف هنريكسن التحول في نهج الحزب بأنه «رحلة جديدة ومفاجئة»، مشيرًا إلى أنه يتفهم رغبة القيادة في ترتيب الصفوف إذا كان بعض الأعضاء غير مستعدين لدعم المسار الجديد.
وقال إنّه، بمجرد اتخاذ الحزب هذا الاتجاه، فمن الطبيعي أن يرغب رئيسه في معالجة الخلافات الداخلية وضمان وحدة الموقف.
رئيس الحزب يؤكد القرار: الأغلبية تحدد الاتجاه
من جانبه، أكد ترولس لوند بولسن، خلال مؤتمر صحفي عُقد الثلاثاء، أن استبعاد هنريكسن جاء عقب التصويت داخل الكتلة البرلمانية.
وشدد رئيس الحزب على أن حسم النقاش واتخاذ الأغلبية قرارًا بشأن اتجاه معين يفرضان، بحسب توقعات القيادة، التزام بقية الأعضاء بدعم القرار، حتى إذا كانوا يفضلون نتيجة مختلفة.
ويعكس هذا الموقف تشدد قيادة «فينستره» في التعامل مع الانقسامات الداخلية، في وقت يسعى فيه الحزب إلى تثبيت توجهاته السياسية ومنع تكرار الخلافات العلنية بشأن التشريعات الرئيسية.
«فينستره في قلبي».. والنائب يرفض الانتقال إلى حزب آخر
ورغم خروجه من الحزب، لا يعتزم هنريكسن الانضمام إلى أي حزب سياسي آخر، مؤكدًا أن انتماءه السياسي لا يزال مرتبطًا بـ«فينستره».
وقال بأسف إنه أمضى سنوات طويلة داخل الحزب، ولم يسبق له التصويت ضد توجهاته قبل أزمة قانون الأسمدة، معربًا عن حزنه إزاء النهاية التي آلت إليها علاقته بالتنظيم السياسي الذي ظل جزءًا أساسيًا من مسيرته.
وكان النائب يأمل في الاحتفاظ بعضويته في الحزب مع مواصلة عمله البرلماني، لكن اللوائح الداخلية لا تسمح بذلك؛ إذ يؤدي الاستبعاد من الكتلة البرلمانية إلى فقدان عضوية الحزب أيضًا.
وفي المقابل، ينص الدستور الدنماركي على أن أعضاء البرلمان لا يخضعون إلا لقناعاتهم الشخصية، ما يسلط الضوء على التوتر بين حرية النائب في اتخاذ قراره السياسي ومتطلبات الانضباط داخل الأحزاب.
من أبرز المدافعين عن سيادة القانون إلى مواجهة مع قيادة حزبه
لا يقتصر تأثير خروج هنريكسن على خلافه بشأن السياسة الزراعية، فهو أحد الوجوه المعروفة داخل البرلمان الدنماركي، واشتهر بدوره في ملفات العدالة وسيادة القانون.
دخل البرلمان للمرة الأولى عام 2011، وهو في السابعة والخمسين من عمره، بعد سنوات طويلة من العمل محاميًا في مدينة ألبورغ. وتولى لاحقًا رئاسة لجنة الشؤون القانونية ولجنة شؤون أجهزة الاستخبارات، كما سبق له أن شغل موقعًا قياديًا داخل الحزب.
وعُرف هنريكسن باستعداده لمخالفة الموقف الحزبي عندما تتعارض القرارات مع قناعاته. ففي عام 2021، كان واحدًا من تسعة نواب صوّتوا ضد إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة إنغر ستويبرغ، التي أُدينت لاحقًا، وذلك بعدما مُنح النواب حرية التصويت في القضية.
كما كشف في كتابه «بصراحة – من داخل البرلمان»، الصادر عام 2024، أنه اقترب من مغادرة الحزب بسبب شراء لارس لوكه راسموسن ملابس بأموال الحزب. وتضمن الكتاب انتقادات للمسايرة السياسية وآليات العمل داخل البرلمان.
وكان هنريكسن أول عضو في الكتلة البرلمانية لـ«فينستره» يسحب دعمه علنًا من راسموسن عام 2014، مطالبًا بالكشف عن المستندات المالية ذات الصلة. ومع ذلك، استمر راسموسن في رئاسة الحزب خمس سنوات أخرى، قبل أن يغادره ويؤسس حزب «المعتدلون».
خسارة انتخابية جديدة لحزب «فينستره»
لا تتوقف تداعيات القرار عند الخلاف الداخلي، بل تمتد إلى الحسابات الانتخابية للحزب، الذي يفقد برحيل هنريكسن أحد أبرز حاصدي الأصوات في صفوفه.
فقد حلّ النائب في المرتبة الخامسة من حيث عدد الأصوات التي حصل عليها مرشحو «فينستره» في الانتخابات البرلمانية التي جرت في مارس 2026، وهو ما يجعل خروجه خسارة سياسية وانتخابية للحزب، إلى جانب ما يحمله القرار من دلالات بشأن تشديد القيادة قبضتها على أعضائها.
وفي الوقت الذي تحاول فيه قيادة الحزب فرض وحدة الموقف وتكريس توجهاتها الجديدة، تفتح قضية هنريكسن باب التساؤلات حول قدرة «فينستره» على التوفيق بين الانضباط الحزبي وحرية النواب في التعبير عن قناعاتهم، خصوصًا في الملفات التي تمس القاعدة التقليدية للحزب ومصالح القطاع الزراعي.
وبين تمسك القيادة بوحدة الصف وإصرار النائب على استقلالية قراره، تنتهي واحدة من أبرز المواجهات الداخلية في الحزب بخروج سياسي مخضرم، في خسارة قد تتجاوز حدود الخلاف على قانون زراعي إلى اختبار أوسع لهوية «فينستره» ومستقبله السياسي.


