تتصاعد حدة الخلاف داخل حزب «فينستره» الدنماركي بشأن قانون جديد مثير للجدل يتعلق باستخدام الأسمدة والحد من انبعاثات النيتروجين، وسط تحذيرات من عدد من رؤساء البلديات المنتمين إلى الحزب من أن إقرار القانون بصيغته الحالية قد يلحق أضراراً جسيمة بالقطاع الزراعي والمناطق الريفية.
وقال رئيس بلدية ثيستد، نيلس يورغن بيدرسن، إن التصويت لصالح القانون سيكون أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لأعضاء الحزب في البلديات الريفية، محذراً من أن البلاد تسير في «طريق خطير».
وأضاف في تصريحات نقلتها قناة TV 2 الدنماركية: «من الصعب أن تكون عضواً في فينستره داخل بلدية ريفية، ثم تصوّت لصالح مثل هذا الاتفاق. نحن نسير في طريق خطير».
خلاف داخل الحزب حول القانون
ويأتي هذا الجدل في وقت يستعد فيه البرلمان الدنماركي للتصويت، الأسبوع المقبل، على قانون جديد بشأن النيتروجين، أثار اعتراضات واسعة في الأوساط الزراعية.
ورغم أن قيادة حزب «فينستره» أعلنت بوضوح أن نواب الحزب سيصوتون لصالح القانون، فإن عدداً من الشخصيات المحلية داخل الحزب بدأوا في التعبير عن مخاوفهم من تداعياته.
وتتمسك قيادة الحزب بحجة أن وجود «فينستره» على طاولة المفاوضات هو السبيل الأفضل للتأثير في تفاصيل الاتفاق ودفعه نحو حلول أكثر واقعية. إلا أن هذا الموقف لم يحظَ بإجماع داخل الحزب.
وكان النائب سورن غاده قد أعلن، الأربعاء، أنه سيصوت ضد القانون، في خطوة جاءت مخالفة لخط الحزب الرسمي.
ويرى رئيس بلدية ثيستد أن بقية أعضاء الكتلة البرلمانية للحزب ينبغي أن يحذوا حذو غاده.
وقال: «لو كنت مكانهم، لصوتُّ أيضاً ضد القانون، احتراماً للقاعدة الشعبية للحزب واحتراماً للاتفاق الذي تم التوصل إليه ضمن الشراكة الخضراء».
وأكد أن مصداقية الحزب أصبحت على المحك، مضيفاً أن إقرار القانون قد يحدث في نهاية المطاف مهما كان موقف «فينستره»، لكنه شدد على أن الحزب يجب ألا يكون الطرف الذي يتحمل مسؤولية تمريره.
وعندما سُئل عما إذا كان موقف رئيس الحزب هو التصويت بالموافقة، أجاب بيدرسن بوضوح: «هذه مشكلته، وستصبح على أي حال مشكلته».

غضب متزايد في المناطق الزراعية
يأتي الخلاف السياسي في وقت تشهد فيه الأوساط الزراعية الدنماركية حالة متزايدة من الغضب والقلق، مع اقتراب موعد التصويت على القانون.
ومن المقرر عقد اجتماع أزمة وتنظيم مظاهرة الأسبوع المقبل، بينما يتمحور الخلاف بشكل أساسي حول مستقبل القواعد المنظمة لكمية الأسمدة التي سيُسمح للمزارعين باستخدامها.
وتحدثت TV 2 مع عدد من رؤساء البلديات المنتمين إلى «فينستره»، وجميعهم تقريباً عبروا، إلى جانب المزارعين، عن مخاوفهم من العواقب المحتملة للاتفاق.
وقال كينيث تونينغ، رئيس بلدية هولستيبرو، إن طرح القانون للتصويت في الوقت الحالي «سابق لأوانه»، مؤيداً بذلك موقف سورن غاده.
ويرى تونينغ أن الكتلة البرلمانية للحزب ينبغي أن تصوت برفض الاتفاق، وأن تمنح الشراكة الخضراء مزيداً من الوقت لإظهار نتائجها.
وحذر من أن عدم القيام بذلك سيكون «إشكالياً» بالنسبة للحزب.
وضرب رئيس بلدية هولستيبرو مثالاً لتوضيح مخاوفه، قائلاً إن الوضع يشبه أن يُطلب من شخص بيع منزله، وعندما يسأل عن ثمنه يُقال له: «لا نعرف، لكن عليك أن تبيعه، وإلا سنطلق النار عليك».
وأضاف: «نحن ندرك ضرورة حماية البيئة، لكن الوظائف مهمة أيضاً في المناطق الريفية، كما أن الظروف المفروضة على القطاع الزراعي ليست عادلة».
مخاوف من فقدان آلاف الوظائف
وتتكرر المخاوف المتعلقة بفقدان الوظائف بين رؤساء البلديات الذين تحدثت إليهم القناة.
وفي بلدية أسنس، وصف رئيس البلدية سورن ستين أندرسن حالة المزارعين بأنها «محبطة للغاية»، مشيراً إلى أن بعضهم أصبح يفكر في التخلي عن نشاطه بالكامل.
وقال إن المزارعين يشعرون بأنهم «محاصرون تماماً»، محذراً من أن منح الأحزاب اليسارية حرية التصرف الكاملة في هذا الملف قد يؤدي إلى «انفجار الوضع برمته».
ومع ذلك، أعرب أندرسن عن ثقته في مفاوضي الحزب، ماري بيريه وستيفاني لوز، وقدرتهما على الوصول إلى حلول مناسبة.
وعن احتمال فشل المفاوضات في تعديل الاتفاق، قال إن المناطق الريفية ستجد نفسها أمام سؤال صعب بشأن مستقبلها، مؤكداً أن الأمر يتعلق «بعدد كبير جداً من الوظائف».
وبحسب أحدث بيانات هيئة الإحصاء الدنماركية المتاحة حول العاملين في القطاع، والتي تعود إلى عام 2023، كان هناك نحو 70 ألف شخص يعملون في الزراعة والبستنة في الدنمارك.
دعوات إلى التريث وإعادة النظر
بدوره، أعرب رئيس بلدية بروندرسليف، ميكيل كليتغارد، عن ثقته أيضاً في مفاوضي الحزب، لكنه دعا إلى التريث واتخاذ القرار بناءً على معلومات وافية.
وقال إن خفض التلوث الناتج عن الزراعة أمر ممكن، لكن يجب تنفيذه «بطريقة معقولة»، مضيفاً: «علينا أن نتعامل مع الناس بشكل لائق».
وعندما سُئل عن مسؤولية حزبه عن الاتفاق، أقر بأن «فينستره» شارك بالفعل في التوصل إليه، لكنه أوضح أن الاتفاق حدد هدف خفض الانبعاثات، ولم يحدد بشكل نهائي كيفية تحقيق هذا الهدف.
وأضاف أن هناك أكثر من 110 أطراف أخرى مشاركة في الاتفاق، وبالتالي فإن تصويت «فينستره» بالموافقة أو الرفض لن يغير وحده نتيجة العملية.
ودعا بدلاً من ذلك إلى مواصلة العمل من داخل المفاوضات من أجل دفع الاتفاق في الاتجاه الذي يراه أكثر ملاءمة.
أما بشأن إعلان سورن غاده عزمه التصويت ضد القانون، فقال كليتغارد إنه لا يريد توجيه انتقادات مباشرة إليه، لكنه أشار إلى أنه لطالما فضّل العمل من داخل الحزب ومحاولة التأثير في القرارات دون إغلاق أبواب الحوار.
تحذير من «نهاية اللعبة» في حال إقرار القانون
أما رئيس بلدية هيوّرينغ، سورن سمالبرو، فكان أكثر صراحة في وصف حجم الأزمة، مؤكداً أن القضية «تشغل حيزاً كبيراً جداً» بالنسبة إليه.
ويرى سمالبرو أن إقرار القانون بصيغته الحالية قد يؤدي إلى إخراج نحو نصف الأراضي الزراعية في بلديته من الإنتاج.
وقال محذراً: «هذا غير ممكن. عندها ستكون اللعبة قد انتهت، وسينتهي كل شيء. ما يحدث أمر جوهري للغاية».
كما انتقد الحكومة، معتبراً أن ما يجري هو نتيجة لما وصفه بـ«حكومة كوبنهاغنية»، في إشارة إلى ما يراه ابتعاداً عن واقع المناطق الريفية.
ورغم انتقاده مضمون الاتفاق، أقر سمالبرو بأهمية بقاء الحزب على طاولة المفاوضات، قائلاً إنه لا يحترم «الفكرة الأساسية» التي يقوم عليها الاتفاق، لكنه يحترم محاولة حزبه العمل على تغييره.
وأضاف أنه إذا فشلت تلك المحاولات، فقد يصل الحزب إلى مرحلة يصبح فيها التصويت بالرفض والانسحاب من الاتفاق هو الخيار الأفضل، لكنه أعرب عن أمله في ألا تصل الأمور إلى هذه المرحلة.
وفيما يتعلق بقرار سورن غاده التصويت ضد القانون، قال سمالبرو إن موقفه مفهوم، لكنه اعتبر أن من السهل نسبياً اتخاذ مثل هذا القرار في هذه المرحلة، مؤكداً أنه لا يزال يثق حتى اللحظة الأخيرة بقدرة مفاوضي الحزب على تعديل الاتفاق.
الخلاصة
ويكشف الجدل المتصاعد عن انقسام واضح داخل «فينستره» بين قيادة الحزب وممثلين محليين عنه في المناطق الزراعية. ففي الوقت الذي تصر فيه قيادة الحزب على دعم القانون باعتباره جزءاً من اتفاق بيئي أوسع، يخشى رؤساء بلديات ومزارعون من أن تؤدي الإجراءات الجديدة إلى تقليص الأراضي الزراعية وتهديد الوظائف وإضعاف الاقتصاد في المناطق الريفية.
ومع اقتراب موعد التصويت في البرلمان، يبدو أن قيادة «فينستره» تواجه اختباراً سياسياً حساساً، قد تكون له انعكاسات مباشرة على مصداقية الحزب وعلاقته بقاعدته الانتخابية في المناطق الريفية.


