ملف بحر الشمال يضع حزب الراديكاليين أمام معادلة معقدة: التمسك بالسياسة المناخية أم مراعاة أمن الطاقة ومصالح الحكومة الائتلافية؟
تواجه الحكومة الدنماركية اختبارًا سياسيًا حساسًا بشأن مستقبل استخراج النفط والغاز في بحر الشمال، في وقت يجد فيه حزب الراديكاليين نفسه أمام معادلة صعبة بين مواقفه المناخية المعلنة والتزاماته كشريك في الحكومة.
القضية تتعلق بإمكانية استمرار استخراج النفط والغاز بعد عام 2042، وصولًا إلى عام 2050، وهو ما يفتح نقاشًا واسعًا حول مستقبل الوقود الأحفوري في الدنمارك، في ظل الضغوط المتزايدة لتعزيز أمن الطاقة في أوروبا.
من شعار «الحكومة الأكثر خضرة» إلى اختبار حقيقي
لطالما كان ملف المناخ في صدارة أولويات حزب الراديكاليين، وكان موقفه واضحًا بشأن ضرورة إنهاء استخراج النفط والغاز في بحر الشمال بعد عام 2042.
وكانت سميرة ناوا، التي أصبحت وزيرة للمناخ والطاقة والإمدادات، من أبرز المدافعين عن هذا الموقف قبل دخول الحزب إلى الحكومة.
لكن المشهد السياسي تغير بعد تشكيل الحكومة الجديدة في يونيو، والتي تضم أربعة أحزاب. فقد أصبح على الراديكاليين التوفيق بين سياستهم المناخية وبين المواقف المختلفة لشركائهم في الائتلاف.
وكان الحزب قد وصف الحكومة الجديدة بأنها «الأكثر خضرة على الإطلاق»، إلا أن ملف بحر الشمال يختبر مدى قدرة هذا الائتلاف على تحويل الشعارات المناخية إلى قرارات سياسية.
شركة فرنسية تفتح الباب أمام تمديد استخراج الغاز
ازدادت حساسية الملف بعد أن تقدمت شركة الطاقة الفرنسية TotalEnergies باستفسار حول إمكانية مواصلة استخراج الغاز من حقل تيرا (Tyrafeltet)، أكبر حقول الغاز في الدنمارك، خلال الفترة من 2042 وحتى 2050.
وكانت الحكومة السابقة قد أعلنت في فبراير أن جهات فاعلة في قطاع الطاقة استفسرت عن إمكانية تمديد تراخيص في الجزء الدنماركي من بحر الشمال إلى ما بعد عام 2042.
وأشارت الحكومة آنذاك إلى أن دراسة التمديد تهدف إلى بحث إمكانية مساهمة الإنتاج في تعزيز إمدادات الطاقة الأوروبية وأمنها واستقلاليتها حتى عام 2050.
وهنا تتقاطع قضيتان شديدتا الحساسية: التحول الأخضر من جهة، وأمن الطاقة من جهة أخرى.
ليدغارد: لا قرار نهائيًا بعد
زعيم حزب الراديكاليين السياسي، مارتن ليدغارد، أكد أن الحكومة لم تتخذ قرارًا نهائيًا بشأن مستقبل استخراج النفط والغاز بعد 2042.
وقال إن الحكومة تنظر إلى الملف من ثلاث زوايا رئيسية: الاقتصاد، وأمن الإمدادات، والمناخ.
وأضاف أن هذه القضية تتضمن «مصالح متعارضة»، ولذلك فإن النقاش داخل الحكومة لا يزال مفتوحًا.
وفي الوقت نفسه، أكد ليدغارد أن حزبه لم يتخل عن هدف التخلص من الوقود الأحفوري، مشيرًا إلى أن الحزب لا يزال متمسكًا بموقفه بشأن ضرورة الابتعاد عن النفط والغاز.
لكن السؤال الذي يبقى مطروحًا هو: هل سيتمكن الحزب من الحفاظ على موقفه بالكامل داخل حكومة ائتلافية تضم أربعة أحزاب؟
الإجابة، بحسب ليدغارد، لم تُحسم بعد.
وقال بوضوح إن الراديكاليين ما زالوا عند موقفهم، لكنه لا يستطيع تقديم أي ضمان بشأن اتجاه القرار النهائي للحكومة.
معركة بين المناخ وأمن الطاقة
ويضع هذا الملف الحكومة الدنماركية أمام واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا: كيف يمكن الموازنة بين أهداف خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري وبين الحاجة إلى تأمين إمدادات الطاقة، خصوصًا في ظل الجهود الأوروبية لتقليل الاعتماد على روسيا؟
ومع استمرار المفاوضات والنقاش داخل الحكومة، يبدو أن قرار بحر الشمال لن يكون مجرد قضية تتعلق بالنفط والغاز، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الائتلاف الحكومي على التوفيق بين السياسة المناخية وأمن الطاقة والمصالح الاقتصادية.


